أن تكون صحفياً في جنوب السودان - مجلة الصحافة

أن تكون صحفياً في جنوب السودان

فكتوريا ميسكوته

الثلاثاء 15 يناير 2019


كان راي أوكيش (33 عاماً)، في مأزق عدة مرات إثر قيامه بعمله كصحفي في جنوب السودان.

ولكونه لا يتردد في تغطية الأخبار السياسية أو القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان أو الفساد، فقد تم اعتقال أوكيش لأكثر من أربع مرات أثناء تأدية عمله. يقول: "تعرضت لتهديدات من مسؤولي الأمن وتعرضت للضرب لمجرد أنهم لا يفهمون كيف تعمل وسائل الإعلام".

كالعديد من الصحفيين الآخرين في البلاد، لم يخطط أوكيش للعمل في الإعلام. فبعد أن تعذر عليه الحصول على مكان في برنامج الأعمال الزراعية في الجامعة في جوبا، سعى أوكيش إلى إيجاد فرص بديلة وشارك في دورة تدريبية لمدة عام، قدمتها منظمة غير حكومية أميركية في مجال الصحافة الإذاعية.

تميزه في هذه الدورة ساعده في الحصول على وظيفة في إذاعة محلية في جوبا عام 2011، وهو العام الذي أعلن فيه جنوب السودان استقلاله عن السودان وقبل عامين فقط من دخول البلد الأصغر عمراً في العالم غمار حرب أهلية.

"عندما بدأت الحرب، أصبحت الأمور صعبة للغاية". يستذكر أوكيش، "تدهور الوضع الأمني بسرعة. أصبح السفر في جميع أنحاء البلاد خطراً جداً".

شكّل مقتل مراسل جنوب السودان بيتر موي عام 2015 ضربة أخرى للصحفيين في البلاد. اعتاد راي وبيتر العمل وتغطية القصص معاً؛ "لقد رأيته قبل 15 دقيقة فقط من إطلاق النار عليه. أخبرني أنه كان خائفاً، وقال إنه يتعرض للتهديد أثناء تغطيته لإحدى القصص. إنه لا يريد العمل على المزيد من القضايا والأخبار السياسية".

جاء مقتل موي بعد أيام فقط من تهديد رئيس جنوب السودان سلفا كير للصحافيين الذين عملوا على التغطية الصحفية "ضد البلاد" على حد تعبيره.

 

  

تحسّن طفيف 

وفقاً لمنظمة مراسلون بلا حدود، قُتل ما لا يقل عن 10 صحفيين في جنوب السودان منذ العام 2011. ويحتل جنوب السودان المرتبة 144 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمية. وهو تحسن بالتقدم مرتبة واحدة مقارنة بالعام الماضي.

وقالت لورا بين، رئيسة فريق صحفيين من أجل حقوق الإنسان في جنوب السودان: "لقد رأينا بعض التغييرات. ووفقاً لشركائنا في وسائل الإعلام، كان هناك مضايقات أقل بكثير للصحفيين من قبل السلطات والأجهزة الأمنية".

رئيسة تحرير جوبا مونيتور (صحيفة يومية مستقلة باللغة الإنجليزية)، آنا نيميريانو، لم تتذكر سوى حالتين من الرقابة على الصحيفة خلال العام الماضي.

المفاهيم الخاطئة عن الصحافة في البلاد تمتد إلى ما بعد السلطات.

مورا أجاك (29 عاماً) وهي مراسلة في شبكة إذاعة الكاثوليك تقول "عندما تستخدم كاميرتك فإنهم يعتبرونها سلاحاً ويتعاملون مع الصحفيين كالأعداء. لا يزال الناس يعانون من صدمة ما حدث خلال الحرب، ويخشون من الإجابة حتى على أكثر الأسئلة بساطة لأنهم لا يريدون الانخراط في السياسة، خوفاً من أن يتم القبض عليهم في ما بعد". 

لم تخطط أجاك لأن تصبح صحفية أيضاً. كان عليها إيقاف برنامجها العلمي التطبيقي في الجامعة بسبب معضلات مالية. فقررت أن تستغل مهاراتها اللغوية، وأن "تجرب حظها" في الصحافة.

تقول أجاك، متحدثة عن الجنود الأطفال واللاجئين والناجين من الاغتصاب "تعلمت كيف أعيش بشقاء وأن أجد قصصاً جيدة حتى عندما يبدو كل شيء سيئاً".

وتؤكد "يستغرق الأمر وقتاً وجهداً كبيرين. لكن المهم أن تكون قريباً منهم، وأن تكون واقعياً وأن تقول للناس الحقيقة بدلاً من الشائعات".

بالإضافة إلى جميع التحديات الأخرى، فإن الصحافة في البلاد ليست مهنة ذات أجر عالٍ، ولا حتى متوسط؛ معظم الصحفيين بالكاد يحصلون على ما يكفي لرعاية أنفسهم وعائلاتهم. إضافة إلى تكاليف السفر لإعداد التقارير وشراء المعدات.

صورة من السودان

راي أوكيش ومورا أجاك في الميدان في جوبايقومان بتصوير فيديو بتقنية 360º.  

[Contrast / Al Jazeera]

تجني أجاك عادة حوالي 120 دولاراً في الشهر، إلا إذا حصلت على أموال إضافية من عملها مع وسائل الإعلام الأجنبية. وعليها أيضاً أن توفر بعضاً مما تجنيه لابنتها البالغة من العمر ست سنوات والتي لم ترها منذ عامين، إذ تعيش في الخارج مع جدتها. 

"إنه أفضل قرار في الوقت الراهن"، تقول أجاك عن إرسال الأطفال والعائلات إلى خارج البلاد، وخاصة إلى السودان وأوغندا المجاورين، والذي أصبح شائعاً بسبب الافتقار إلى التعليم الجيد والأمن في جنوب السودان.

أرسل أوكشا زوجته وطفليه إلى الخارج عام 2016 بسبب الوضع الأمني. في أكتوبر/ تشرين الأول، قرر ترك عمله في الإذاعة والانضمام إلى أسرته لبعض الوقت، حيث جعلته قصته الأخيرة قلقاً على سلامته وعائلته.

لا تخطط أجاك لمغادرة جنوب السودان في وقت قريب، وتعتبر المؤتمرات والتدريب في الخارج بمثابة استراحة قصيرة خارج البلاد. "مستقبلي هنا، أشعر أنه يتعين عليّ القيام بشيء إيجابي لبلادي وهو ما سيكون تراثاً للأجيال القادمة. كل يوم آمل أن يحدث شيء جيد".

"سنصل إلى السلام" هو فيلم وثائقي أنتجه طاقم Contrast VR، استوديو الوسائط المتعددة في شبكة الجزيرة الإعلامية، ويسلط الضوء على محاولات تخطي الصدمة التي يتعرض لها السكان في جنوب السودان.

 يحتل جنوب السودان المرتبة 144 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمية [Contrast VR / Al Jazeera]

ترجمة: ايليا غربية